نجم الدين الكبرى

41

فوائح الجمال وفواتح الجلال

وفي ذكر ما جرى بخوارزم ، يروى ابن الأثير : وأما الطائفة التي سيّرها جنكز خان إلى خوارزم ، فإنها كانت أكثر السرايا جميعها ، لعظم البلد ، فساروا حتى وصلوا إلى خوارزم وفيها عسكر كبير ، وأهل البلد معروفون بالشجاعة والكثرة ، فقاتلوهم أشد قتال سمع به الناس ، ودام الحصر لهم خمسة أشهر ، فقتل من الفريقين خلق كثير ، إلا أن القتلى من التتر كانوا أكثر ، لأن المسلمين كان يحميهم السور . فأرسل التتر إلى ملكهم جنكز خان يطلبون المدد ، فأمدّهم بخلق كثير ، فلما وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا ، فملكوا طرفا منه ، فاجتمع أهل البلد وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا ، فلم يقدروا على إخراجهم ، ولم يزالوا يقاتلونهم ، والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة ، وكلما ملكوا محلة قاتلهم المسلمون في المحلة التي تليها ، فكان الرجال والنساء والصبيان يقاتلون ، فلم يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه ، وقتلوا كل من فيه ، ونهبوا كل ما فيه . ثم إنهم فتحوا السكر ( السد ) الذي يمنع ماء جيحون عن البلد ، فدخله الماء ، فغرق البلد جميعه وتهدّمت الأبنية . ولم يسلم من أهله أحد ألبته ، فإن غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله ، منهم من يختفى ، ومنهم من يهرب ، ومنهم من يلقى نفسه بين القتلى فينجو . وأما أهل خوارزم ، فمن اختفى من التتر غرّقه الماء ، أو قتله الهدم ، فأصبحت خرابا يبابا : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ولم يسمر بمكّة سامر وهذا لم يسمع بمثله في قديم الزمان وحديثه « 1 » .

--> ( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ ( نشرة تورنبرج - بريل 1853 ) 12 / 394